رؤى
كيف يحد الذكاء الاصطناعي بهدوء من الطموح المؤسسي
تخيل باحثةً يقف على سبورتها البيضاء سؤالان، وتتخذ قراراً عابراً دون أن تدري. الأول سؤال تدور حوله منذ ثلاثة أعوام: محرج، غامض، ومن ذلك النوع الذي يعجز المرء فيه عن تحديد الدليل المقبول مقدماً. والثاني مجاور له، أضيق نطاقاً، ويمكن الإجابة عنه بوضوح باستخدام البيانات المتوفرة لدى فريقها. إنها تختار الثاني. لا لأنه أهم، بل لأنه عندما عرضت الاثنين على النموذج، جاء أحدهما بخطة محكمة، وجاء الآخر بكلمات تشجيع باهتة. قد تطلق هي على هذا اسم «كفاءة»؛ أما أنا فأراه شيئاً مختلفاً تماماً.
يقدّم جوشوا غانس في ورقة بحثية (NBER 33566) نموذجاً يصف هذا بدقة مذهلة. فحين يحصل صنّاع القرار على ذكاء اصطناعي يجيد التنسيب داخل المساحات المألوفة، يتفاعل الباحثون بذكاء استراتيجي. وحين تكون الأداة ضعيفة، يتجاهلونها. وحين تكون قوية للغاية، ينطلقون بها نحو آفاق جديدة كلياً، فهناك تحديداً تكمن القيمة الكبرى للآلة. لكننا في المنطقة الوسطى — حيث ترقد أغلب مؤسسات اليوم — نجد الباحثين يعملون «بما يتناسب مع الـ AI». إنهم يكبّلون جراءة تساؤلاتهم لتتلاءم مع ما تطيقه الآلة وتتعامل معه بثقة.
العمل بما يتناسب مع الـ AI
يشير النموذج إلى أن الـ AI المعتدل قادر على تقليص سقف الطموح البحثي. وأزعم أن هذه النتيجة تتجاوز حدود المختبرات بأشواط. فكل مؤسسة تعج اليوم بأفراد يعيدون هذا المشهد أمام سبوراتهم مراراً كل أسبوع: أي تحليل نبدأ به؟ وأي مشكلة عملاء نطرق بابها؟ وأي سؤال استراتيجي ندرجه على الجدول؟ لقد تسلل معيار جديد وخفي إلى كل قرار: كيف سيبدو شكل هذا الأمر حين أشرحه للآلة؟
لا أحد يصدر أمره باعتماد هذا المعيار؛ بل يقتحم حياتنا متنكراً في ثوب الراحة. فالأسئلة القابلة للحل تمنحك مسودة جاهزة بحلول الخميس. أما الأسئلة الكبرى فتغرقك في أسبوع من الشك الذي لا يترك شيئاً ترسله في تقرير المراجعة. والخيار الأول يجعل البقاء بشرياً سوياً داخل منظومة عمل أمراً أيسر بكثير.
حكاية اليوم ليست عن حدود الذكاء الاصطناعي، بل عن تقليم طموحاتنا في صمت على مقاس ما تستطيع أدواتنا هضمه؛ وهو تقليم لا يترك خلفه أثراً يُذكر. فالسؤال الضيق لا يبدو ضيقاً قط، بل يرتدي ثوب التركيز والانضباط. يصل في موعده، منسقاً، وجاهزاً للمرافعة عنه. أما السؤال المتروك فلا يخطئ طريقه إلى طي النسيان، بلا وثيقة تذكره، ولا ميزان يقيس كلفة التخلي عنه.
إعادة نطاق الطموح بهدوء
تصل الأبحاث المعنية بالإبداع الجماعي إلى النتيجة ذاتها قادمةً من اتجاه مغاير: يميل استخدام الـ AI إلى رفع الإنتاجية الفردية، مقابل إفقار التنوع فيما تنتجه الجماعة ككل. الفرد يصبح أفضل حالاً، لكن المجموعة تفقد غناها وتنوعها. وفي هذا السياق، نشرت مجلة Nature Reviews Psychology مقالاً هذا الصيف تؤكد فيه أن الحصن الأهم بوجه هذا التجانس هو المعرفة الفوقية — التواضع الفكري، وعادة مراقبة تفكيرك بنفسك وهو يتشكل.
وهو استنتاج يدعو للتأمل إن وقفت أمامه ملياً. إذ تتكشف المفارقة عن أن طوق النجاة في وجه تقنية جبارة هائلة النطاق، ليس إلا التفاتة انتباه واعية وصغيرة.
الضمانة ضد تقنية هائلة النطاق
ولست أظن أن الأفراد قادرون على حمل هذا الثقل وحدهم. فحين تعمل الآلية خفيةً بينما تكافئها مواعيد التقويم، تصبح قوة الإرادة وحدها سلاحاً قاصراً. لابد من زرع هذا الوعي في أصل الطريقة التي تطرح بها المؤسسة أسئلتها.
وتجسيداً لهذا الطرح بملامح أولية: لنحتفظ بسجل مرئي للأسئلة التي ناقشناها ثم طرحناها جانباً، كي يترك الطموح بصمةً واضحة. وفي اجتماعات المراجعة، لن نسأل عمّا وُجد فحسب، بل عمّا تجنبناه ولماذا. ولنُموّل جزءاً من أعمالنا صراحةً بناءً على معيار يقول: لا أحد منا يعرف كيف يتعامل مع هذا اليوم. ولنتعامل مع عبارة «لم يكن لدى النموذج ما يقوله مفيداً حول هذا» بوصفها إشارة تدل على حدود المعرفة، لا حكماً باستحالة الإنجاز.
لقد أصبح التنفيذ زهيد التكلفة. وكان المفترض أن يمنحنا ذلك حريّة طرح تساؤلات أرحب. ولن يتحقق لنا ذلك إلا إذا أدركنا مقدار الجذب المغناطيسي الذي يشدنا نحو الأسئلة السهلة الإجابة.
أعظم ما يمكن أن تفقده أي مؤسسة ليس الوقت؛ بل ذلك السؤال الذي نسي الجميع أنهم قرروا يوماً ألا يطرحوه.