رؤى
لماذا يُضعف الذكاء الاصطناعي التفكير النقدي
لاحظت أمراً مزعجاً في عملي مؤخراً؛ كنت أراجع مستنداً كتبه لي AI. كان جيداً حقاً: هيكل واضح، منطق متماسك، بلا أخطاء ظاهرة. قرأته مرتين، وضعت ثلاثة تعديلات صغيرة، واعتمدته. ثم سألت نفسي سؤالاً لم أستسغ إجابته أبداً: هل كنت سألاحظ عيباً خطيراً لو كان موجوداً؟ لست واثقاً بذلك. ليس لأنني لا أملك القدرة، بل لأن المسودة بدت منذ اللحظة الأولى كأنها منجزة بالكامل.
الصقل يدعو للموافقة
وهكذا تحولت دون أن أدري من التفكير في أصل المشكلة إلى مجرد مراجعة الإجابة الجاهزة. واليوم، لدينا دراسات تؤكد ذلك؛ فقد استطلعت Microsoft Research آراء 319 من العاملين المعرفيين الذين شاركوا 936 مثالاً حقيقياً لاستخدام AI في أعمالهم. لم يكن النمط المكتشف أن AI يُضعف قدرة البشر على التفكير، بل كان أدق وأكثر إزعاجاً: كلما زادت ثقة الناس في الأداة، تراجع جهد التفكير النقدي الذي يبذلونه. وكلما كانت ثقتهم بأنفسهم أكبر، زاد إعمالهم لأذهانهم. تبدو الثقة مورداً محدوداً ومتحركاً؛ فحين نمنح المزيد منها للأداة، نسحب جزءاً منها من أنفسنا. وفي دراسة منفصلة أُجريت عام 2026 وشملت أكثر من 1200 شخص، تبيّن أمر مشابه؛ إذ أخفق المشاركون في تقدير الوقت الذي وفره لهم AI بدقة، وتباعدت السرعة التي شعروا بها عن السرعة الحقيقية تماماً، وهو ما سمّاه الباحثون «وهم التسريع». أجد نفسي أعود مراراً لتأمل دلالات هذه النتائج على مستوى المؤسسات، فلست أعتقد أنها مشكلة تدريب. كل شركة أعرفها تقيس اليوم معدلات تبني AI: التراخيص الموزعة، المهام المؤتمتة، الساعات الموفّرة. لكن لا توجد مؤسسة واحدة تكلف نفسها قياس ما إذا كانت جودة التفكير البشري داخل أسوارها قد صعدت أم هبطت.
لدينا أجهزة قياس للآلة ولا شيء لـ
وهنا يكمن تفاوت غريب ومحير. فقد أظهر مؤشر اتجاهات العمل لعام 2026 الصادر عن Microsoft أن العاملين، حين سُئلوا عن المهارات الأهم مع تزايد اعتماد العمل على AI، وضعوا في الصدارة مهارتين: مراقبة جودة المخرجات والتفكير النقدي. بل إن 86% منهم أكدوا أنهم يتعاملون مع ما ينتجه AI كنقطة انطلاق لا كإجابة قاطعة. إذن، الناس يعلمون تماماً ما يحتاجونه ويستطيعون تسمية المهارة. ما يغيب عنهم هو بيئة عمل تحمي شروط ممارسة هذا التفكير؛ كالوقت، والمساحة للشك، والقدرة على الاختلاف، والحق في قول «يبدو هذا صحيحاً، ورغم ذلك لا أثق به». هذا الإذن ليس مجرد سمة شخصية فطرية.
إنه خيار تصميم تنظيمي
حين تُصاغ اجتماعات الفريق بحيث تكون الغلبة للإجابة الأسرع، ستفوز مسودة AI تلقائياً. وحين يكون للاختلاف ثمنه الباهظ من رأس المال الاجتماعي، فلن يغامر أحد بدفعه للتشكيك في نص يبدو مصقولاً وجميلاً. وحين تخلو الجداول الزمنية من مسافة كافية بين استلاستلام العمل واتخاذ القرار بشأنه، يتقلص الحكم العميق ليصبح مجرد موافقة عابرة. تنطلق Contribution Leadership من فرضية أساسية: أن دور AI هو تحسين العمل، بينما دور المؤسسات هو تحسين البشر. وما أدركه تدريجياً هو أن الأمر لا يتوقف عند إطلاق طاقات الناس وما يمكنهم إضافته، بل يمتد للدفاع عما قد يخسرونه بصمت. ربما يكون أثمن ما يقدّمه الموظف لمؤسسة تغرق في AI هو استعداده الدائم للبقاء غير مقتنع كلياً. وهنا يبرز سؤال عسير لا أملك له إجابة حاسمة بعد: إذا كانت الثقة تهاجر من الإنسان إلى الأداة، فما الذي يجب على القائد فعله لاستعادة جزء منها؟ أظن أن الإجابة أقرب إلى ممارسة يومية منها إلى سياسة مكتوبة: كأن نطلب شرح مسار التفكير لا الاكتفاء بالنتيجة، وأن نراجع القرارات ذاتها لا المخرجات فقط. أن نرسخ عرفاً — بل ومطلباً — يقضي بأن يقول أحدهم ببساطة: «لقد استعنت بـ AI هنا، ولكنني أعتقد أنه أخطأ في كذا». طقوس يومية صغيرة، لكنها الخط الفاصل تماماً بين مؤسسة تفكر برفقة AI، وأخرى تتوقف عن التفكير بالتدريج.