رؤى
لماذا يُعمّق Generative AI اختناقات الابتكار
تشتري معظم المؤسسات السرعة في المرحلة التي لم تكن يوماً بطيئة.
كنت أتأمل هذا الصيف إطار عمل صادرًا عن Harvard Business School — ورقة بحثية يقترح فيها باحثون ما يسمونه «منظور الاختناق البشري في الابتكار» (HBS WP 26-094, 2026). افتراضهم جذري بهدوء: القيود التي تعيق الابتكار نادراً ما تكون تقنية، بل هي معرفية واجتماعية؛ تكمن في كيفية توليد الناس للأفكار، وتقدير جِدّتها، وانتقالها عبر النظم الاجتماعية. وGenerative AI لا يتعامل مع هذه القيود بمسطرة واحدة؛ فهو يخفف بعضها في كل مرحلة، ويُعمّق البعض الآخر.
هذا الجزء الأخير هو الجملة التي أتردد عليها مراراً. نتحدث عن الذكاء الاصطناعي وكأنه مدّ بحري يرفع كل شيء؛ بينما هو أقرب إلى رافعة: مكان وضعها يحدد أتحركُ شيئاً أم أكسره.
تأمل المراحل
تأمل المراحل. كان توليد الأفكار مقيداً حقاً؛ مجموعة صغيرة من الناس، ساعات معدودة، وحدود القراءة الفردية. يذيب Generative AI هذا القيد تماماً تقريباً. باتت المؤسسات تنتج في بعد ظهر واحد أفكاراً معقولة تفوق ما أنتجته سابقاً طوال ربع كامل.
لكن الفرز كان مقيداً هو الآخر، ولا يُخففه الذكاء الاصطناعي بالطريقة ذاتها. تقدير الجِدّة يتطلب معرفة ما جُرّب وما فشل وما تستطيع المؤسسة استيعابه حقاً. ويعتمد هذا الحكم على معرفة ضمنية تحوزها قلة قليلة. لذا، حين يتضاعف إنتاج الأفكار وتبقى سعة الفرز على حالها، لا يختفي الاختناق؛ بل ينتقل ليحط رحاله فوق رؤوس من كانوا يشكلون القيد أصلاً.
أظن أن هذا يفسر لماذا تبدو برامج الذكاء الاصطناعي مخيبة للآمال من الداخل بصورة غريبة؛ فالمخرجات ترتفع، وسرعة اتخاذ القرار لا تنمو. يقرأ القادة هذا بوصفه مشكلة تبنٍّ، فيُسارعون لشراء مزيد من الأدوات لتلك المرحلة التي كانت سريعة في الأساس.
أدبيات ثانية توضح النقطة
وتُجلي أدبيات أخرى هذه النقطة بجلاء أكبر. يُميّز بحث نُشر هذا العام في دورية (Frontiers in Psychology) بين طريقتين نُسلم بهما التفكير للآلة. في «التفريغ التابع»، يُفوّض الشخص الحكم نفسه ويقبل نتيجة الآلة بمسلّاتها. أما في «التفريغ المستقل»، فيُفوّض الإنتاج محتفظاً بالحكم، مستخدماً المخرجات مادةً للاستجواب. يبدو السلوك من الخارج متطابقاً تماماً: نفس الأداة، نفس التوجيه، ونفس المستند الذي يصل في موعده. وما يفرق بينهما حقاً هو أين ظل العقل البشري داخل الحلقة.
تقيس المؤسسات الأثر النهائي فحسب، لذا يعجزون عن التمييز بين الطريقتين. ومع الوقت، حين يُقاس المنتج النهائي وحده، تفوز العادة الأرخص بين العادتين.
ما هو الاختناق الذي نخففه بالفعل؟
ما يلي ليس استراتيجية تقنية، بل هو سؤال تصميم يمكن طرحه في ساعة واحدة:
- ما هو الاختناق الذي نخففه بالفعل؟ سمِّ المرحلة. إن كان التوليد، فانتظر حجماً لا قرارات أرقى.
- ما الاختناق الذي عمّقناه للتو؟ إن تضاعف التوليد، فمن ذا الذي سيتولى الحكم على كل هذا الكم — وهل قدمنا له شيئاً يعينه؟
- أين يظل الحكم محصوراً في يد قلة قليلة؟ هنا حيث يندر الإسهام، وتغدو المؤسسة بالغة الهشاشة.
- هل نكافئ التفريغ المستقل أم التابع؟ اسأل الناس عما أنتجوه، والأهم: عما رفضوه ولماذا. فتوضيح أسباب الرفض هو أصرح إشارة على التفكير البشري، ومع ذلك لا يكاد أحد يجمعها.
ما الذي كان ينقص نظامنا الخاص فعلياً
هناك جانب كاشف في إطار الاختناق؛ فهو يرفض الوهم القائل بأن أي أداة تُحسّن المؤسسة بالتساوي. بل يعيد السؤال إلى نصابه: ليس ما تستطيع التكنولوجيا فعله، بل ما كان ينقصه نظامنا الخاص بالفعل.
أظن أن معظم المؤسسات لم تكن تشكو يوماً من شح الأفكار، بل من شح الشجاعة والقدرة على إصدار الحكم عليها. ولا يوجد أي نموذج يُعفي من هذا العبء؛ بل كل ما يفعله هو جلاء النقص أكثر فأكثر — وربما جعله أغلى ثمناً حين نستمر في تجاهله.