رؤى
أتمتة AI وموت التدريب المهني في مكان العمل
كنت أفكر في سؤال بلا صاحب واضح داخل أي مؤسسة أتعامل معها: من المسؤول عن صناعة الجيل القادم من الخبراء؟ لا أقصد توظيفهم، بل صناعتهم.
طوال تاريخ العمل، كانت الإجابة جَمْراً تحت رماد المهام اليومية. كان المبتدئون يتلقون الأعمال الصغيرة البسيطة، تلك التي تخلو من أي بريق وتُقبل فيها الأخطاء: الإصلاح الروتيني، المسودة الأولى لمذكرة، ومطابقة البيانات التي لا يطيقها أحد. اقتصادياً، كانت تلك المهام هامشية، لكن وظيفتها الحقيقية لم تكن في ناتجها أبدًا؛ بل كانت تمنح أحدهم مساحة ليتعثر، ويرتكب خطأً صغيرًا، ثم يُصححه له من تجرّع المرارة قبله. كانت الخبرة ابنةً غير شرعية لعدم الكفاءة.
اليوم، نمحو عدم الكفاءة هذا بسرعة مذهلة، وأشك في أننا ندرك حقًا ما نطيح به في الطريق.
فجوة مستوى الدخول المتلاشية
أظهرت دراسة لمختبر الاقتصاد الرقمي في جامعة ستانفورد، استناداً إلى بيانات رواتب شركة ADP التي تغطي ملايين العمال الأمريكيين حتى منتصف عام 2026، أن توظيف الفئة العمرية بين 22 و25 عاماً في المهن الأكثر عرضة لتأثير AI ينخفض بنحو 19% عما كان متوقعاً لو ساروا بمحاذاة أقرانهم في الأدوار الأقل تأثراً. وفي المقابل، لا تكشف بيانات أصحاب الخبرة في ذات المهن عن أي فجوة مشابهة. يتركز التباعد تحديداً حيث يتدخل AI للأتمتة لا للتوسيع.
يُنظر إلى هذا عادة بوصفه قصة إزاحة وظائف، لكني أراه قصة انتقال، وأصدق أدلتها وأكثرها إثارة للاهتمام هي الأدلة النوعية. ففي دراسة نُشرت هذا العام عن مهندسي البرمجيات — ممن يقفون على عتبة المهنة ومخضرمي الخبرة الذين تولوا تدريبهم سابقاً — رصد الباحثون نمطاً سمّوه «الامتصاص». أعمال المبتدئين لا تتلاشى في طوابير الانتظار، بل تُعاد هندستها ضمن مسار عمل مشترك يجمع الخبراء بـ AI لتنجز أسرع وأفضل. لا أحد يتخذ قراراً واجداً بوقف التدريب؛ بل يتبخر المكان الذي كان يحدث فيه تلقائياً.
يرصد الباحثون أيضاً نوعاً من التنافر الإدراكي؛ فالخبراء يقيمون المبتدئين بناءً على المخرجات التي تبدو ممتازة الآن، بينما يتجرّع المبتدئون مرارة الفقدان في صمت، كغياب شيء غامض لا يستطيعون تسميته لأنهم لم يختبروه يوماً. وهكذا، يقف الطرفان عاجزين عن رؤية المشكلة، فلا يناقشها أحد.
بإمكان أي مؤسسة أن تخسر نظام تدريبها المهني بكامله دون أن تعقد اجتماعاً واحداً تعترف فيه بوقوع الكارثة.
التكلفة الخفية للكفاءة
صعوبة الأمر تكمن في أن أي قرار مفرد يبدو سليماً في سياقه؛ فمنح المهمة الروتينيّة لـ AI تصرف صحيح في الربع الحالي، وقد يظل صحيحاً في كل رربع على مدى أربع سنوات كاملة. لكن الفاتورة تُدفع في العام الخامس، حين نجد أنفسنا أمام جيل قادر على الإشراف على مخرجات عجزوا عن صنعها بأنفسهم، جيل يعرف كيف يقبل الإجابة أو يرفضها، لكنه يفتقر إلى حاسة استشعار السؤال الخطأ من أساسه. والخبرة وحسن التقدير، بحسب ما علمته لنا التجربة، لا تنتقلان بالشرح، بل هما الرواسب التي تتركها المسؤولية وحدها.
ليس لدي إطار نظري جاهز لذلك حتى اللحظة، لكني أكاد ألمس المكان الذي ينبت فيه هذا الخلل.
تقيس الشركات إنتاجية العمل، لكن نادراً ما تجد مؤسسة تقيس «العائد التنموي» له: أي ما إذا كانت مهمة بعينها، أنجزها شخص بعينه، قد خلفت وراءها قدرة جديدة لم تكن موجودة من قبل. لم نكن بحاجة يوماً لقياس هذا الرقم، لأن التدريب المهني كان عطاءً مجانياً وتلقائياً وليد توزيع المهام. أمّا اليوم، فلم يعد مجانياً ولا تلقائياً؛ صار شيئاً يتطلب ثمناً يُدفع عمداً، متمثلاً في إبطاء الخطى، وإسناد المهام لمن هم أقل كفاءة فيها، وإهدار ساعات طوال من وقت الخبراء في تصحيح أخطاء ما كان AI ليقع فيها أبداً.
تجديد مخزون الخبرة
إنها تكلفة حقيقية بالكامل، ويجب أن تُسمى باسمها صراحة بدل التسلل بها إلى ميزانيات التنمية. فالشركة التي تتهرب من دفع هذا الثمن ستبدو أكثر كفاءة من منافسيها لأعوام عدة، قبل أن تكتشف فجأة أنها كانت تقتات على رصيد من الخبرة توقفت عن تغذيته، وأن هذا الرصيد بالذات لا يُشترى بمال، لأن الجميع كانوا يهدمون خزائنهم في الوقت ذاته.
التنفيذ صار متاحاً بوفرة مذهلة، أمّا حسن التقدير فيُصاغ بالطريقة البطيئة والشقية: بأيدي أشخاص مُنحوا فرصة تحمّل المسؤولية قبل أن يكونوا مستعدين لها تماماً.