رؤى

لماذا تعمى المؤسسات عن المواهب الحقيقية للموظفين؟

بقلم Adam G·

عاملان ينظفان غرف المستشفى في الطابق ذاته، وبالمناوبة والأجر نفسيهما. لكن عندما حاورهما فريق من علماء نفس المنظمات، ظهر العجب. الأولى رأت عملها مجرد روتين؛ مسح أرضيات، إفراغ سلال مهملات، وترتيب إمدادات. مهارة ضئيلة، ومعنى بلا طعم. الثانية؟ وصفت عملها بأنه عالي المهارة. كانت تضبط أوقات تنظيفها لتتواءم مع خطط تعافي المرضى. تعيد ترتيب اللوحات الفنية في الغرف التي يثقل الإحباط صدور ساكنيها. تواسي الزوار التائهين وتدلهم على وجوههم. تلحظ ما يعجز عنه الطاقم الطبي: مريضاً بلا زوار منذ أيام، أو رفيق درب تبدو عليه علامات التعب أشد من المريض الراقد. نفس المسمى الوظيفي، نفس درجة الأجر، ونفس قائمة المهام على الورق. لكن شتّان بين المساهمتين.

ابتكار الوظائف

أطلقت إيمي رزنيفسكي، عالمة نفس المنظمات بجامعة ييل وقائدة هذا البحث، على هذا اسم «ابتكار الوظائف» (Job crafting)؛ وهو الطريقة الهادئة التي يعيد بها الأفراد صياغة أدوارهم لتتلاءم مع قدراتهم وقيمهم وإحساسهم بالغاية. وجدته في كل مكان. لا في المستشفيات وحدها، بل في المكاتب، والمصانع، والمطاعم. أينما حلّ البشر، تجد طائفة منهم تساهم بما يجاوز تخيلات الوصف الوظيفي بمراحل. وما يؤرقني في هذا البحث ليس الابتكار نفسه، بل جهل المؤسسة المطلق به. لم يسأل أحد. لم يلحظ أحد شيئاً. ولم تستطع منظومتها الإدارية رؤيته لسبب بسيط: أنها لم تُصمَّم لرؤيته. خضعت العاملتان للقياس وفق المعايير ذاتها؛ عدد الغرف في المناوبة، تكلفة المستلزمات، والحضور. وبهذه المقاييس وحدها، ربما بدت العاملة الثانية أبطأ حركة.

تبين أن هذا العمى شائع بشكل ملحوظ

كشفت دراسة أجرتها TalentLMS عام 2026 وشملت مئات الموظفين والمديرين في قطاعات شتى، عن مفارقة مدهشة. زعم 90% من المديرين إدراكهم العميق لمهارات مرؤوسيهم المباشرين، بينما وافقهم الرأي 69% فقط من الموظفين. بل إن نحو نصف العاملين أكدوا أن قدراتهم معطلة بلا استغلال. والأدهى أن 50% من الشركات تجلب كفاءات خارجية لمهارات متوفرة بالأصل بين جدرانها. تتذمر المؤسسات من شح المواهب بينما تتربع على جبل من الطاقات التي تعجز عن رؤيتها. أزعم أن هذا التحدي يمثل جوهر عصر AI، وهو ليس الهلع المعتاد الذي ينتظره الجميع. السردية السائدة تقول إن AI ستستبدل القدرات البشرية. غير أن الطامة الأعمق هي أن المؤسسات لم تتعلم يوماً كيف تبصر القدرات البشرية من أساسها. بنينا أنظمة تقتصر على قياس المخرجات؛ الوحدات المنتجة، التذاكر المغلقة، الإيرادات المُولَّدة، وساعات العمل المسجلة. ممتازة هي في تتبع التنفيذ، لكنها عمياء بصر وبصيرة عن المساهمة الحقيقية. العاملة التي تعيد ترتيب اللوحات لا تعكسها أي لوحة بيانات. والمهندس الذي يوجه ثلاثة مطورين مبتدئين بطريقة ودية لا يظهر في سرعة دورات العمل. وموظف الدعم الذي يلتقط نمطاً في المنتج قد يوفر الملايين لا يملك نافذة يطل منها. ولن تحل AI هذا العطل. إنها عبقرية في تحسين ما تقيسه المؤسسات سلفاً، لكنها تعجز عجزا تاماً عن استنباط ما لم تفكر المؤسسة بالبحث عنه يوماً.

Contribution OS

هذا يقتضي مساراً مختلفاً. يحتاج منا ما أسميه Contribution OS؛ نظام تشغيل مؤسسي صُمم لا ليحشر الجهد البشري في قوالب، بل ليكتشف طاقاته الكامنة. ولا أعني بالقدرات هنا حجم ما يمكن للفرد إنتاجه، بل أعني: ما الذي يراه الأفراد، وما يعرفونه، وما يفكرون فيه، وما يلاحظونه مما لم نسأل عنه قط؟ عاملة نظافة المستشفى التي نظمت عملها حول جداول تعافي المرضى لم تكن بحاجة إلى خطة لتحسين الأداء، بل إلى من يلحظ أنها باتت بهدوء جزءاً من فريق الرعاية. أتساءل: كم مؤسسة تغصّ بأمثالها ممن يؤدون أعمالاً لا ترصدها الأنظمة، ويحلون مشكلات لم يكلفهم بها أحد، ويساهمون بشتى الطرق خارج أطر لوحات البيانات الباردة؟ ربما لم يكن شح المواهب أزمة حقيقية بالمعنى المفهوم، بل مجرد عماشة في الإبصار.

المزيد من الرؤى

هل أنت مستعد لتأسيس منظمة إيراداتك بالذكاء الاصطناعي؟

احجز مكالمة استراتيجية؛ سنحدد أقسام BeyondOS™ الواجب نشرها، وطبقة المساهمة البشرية التي تمنحها قيمتها الحقيقية.

ابْنِ فريق إيراداتك بالذكاء الاصطناعي