رؤى

تبني الذكاء الاصطناعي متغير إداري

بقلم Adam G·

أغلب المنظمات التي أتحدث إليها تحاول الإجابة عن السؤال الخطأ. فهي تسأل: أي نموذج علينا تبنيه؟ غير أن السؤال الأعمق هو: لماذا تنتهي شركتان تستخدمان النموذج ذاته بهيكلين تنظيميين مختلفين كليًا؟

بدأت تتكشف لنا بعض الإجابات. ففي ورقة بحثية صدرت في يونيو/حزيران الماضي عن كلية هارفارد للأعمال، استُطلعت آراء مؤسسي الشركات التقنية الناشئة في أمريكا الشمالية بشأن الـ AI التوليدي وحجم العمالة. في المتوسط، قدّر هؤلاء المؤسسون أنهم سيحتاجون إلى عدد موظفين أكبر بنسبة 55% من دون هذه التقنية، غير أن القيمة الوسيطة بلغت 17%، وأكد نحو الثلث أنهم لن يحتاجوا إلى أي موظفين إضافيين على الإطلاق. الأدوات نفسها. العام نفسه. لكن النتائج التنظيمية جاءت متباينة أشد التباين.

التقنية وحدها لم تفسر هذه الفجوة. فالمؤسسون الذين دمجوا الـ AI رسمياً في سير عملهم قدّروا تأثيراته على حجم العمالة بأربعة أضعاف تقريباً مقارنة بمن اقتصروا على استخدامه بشكل غير رسمي، فضلًا عن كونهم أكثر ترجيحًا للإقرار بأنه غيّر طريقة توظيفهم وإدارتهم. ثم صنع الباحثون خطوة ذكية: وزعوا عشوائياً معلومات متفائلة أو متشائمة على المؤسسين بشأن كفاءة الـ AI في إنجاز مهام معينة. تبدلت القناعات كما هو متوقع، وتغيرت معها الرغبة في التفويض. لكن التباينات العميقة بين المديرين بقيت على حالها، حتى بعد أن تماثلت قناعاتهم بشأن أداء الآلة.

تأمل هذه النقطة جيدًا: يمكن لمديرين أن يتفقا تمامًا على ما تستطيع الآلة فعله، ومع ذلك يتخذا قرارين متعاكسين تمامًا بشأن ما ينبغي لها القيام به.

وفي السياق ذاته، أشارت دراسة ضخمة عابرة للحدود أصدرها مكتب البحوث الاقتصادية الوطنية (NBER) في مارس/آذار من زاوية أخرى. فمن خلال موازنة استطلاعات العمال والشركات في الولايات المتحدة وأوروبا، رصد الباحثون فجوات في التبني لم تفسرها التركيبة السكانية أو طبيعة الشركات إلا جزئيًا. إذن، ما الذي أنبأ بهذا التبني؟ إنه ممارسات الإدارة وشؤون الموظفين، ومدى تشجيع الشركات لموظفيها على استخدام التقنية بفعالية. لا البنية التحتية. ولا سهولة الوصول. إنها الإدارة وحدها.

لا يصل الـ AI كمتغير تقني

إذن، تتكشف لنا الصورة التالية: لا يصل الـ AI كمتغير تقني بحت، بل يصل كمتغير إداري بامتياز.

وهذه الحقيقة مربكة بعض الشيء؛ لأنها تسقط الأعذار. لو كانت الكفاءة هي القيد الوحيد، لكان الانتظار استراتيجية حكيمة. أما وأن التقييم البشري هو القيد الحقيقي، فلن يكون الفارق بين الشركات بعد خمس سنوات هو حزمة أدوات الـ AI التي تملكها، بل ما يعتقده قادتها بأن البشر قد وُجدوا من أجله.

وهذا الاعتقاد يصنع أثره في الخفاء منذ الآن. فحين يقرر المدير حجم ما سيفوضه للآلة، فإنه يحدد ضمنياً ما يُترك للإنسان المجاور لها من مسؤوليات. وثمة إجابتان مطروحتان:

الأولى: أن الإنسان مجرد نسخة أبطأ من الآلة، وكل مهمة تفوض للآلة هي مجرد استنزاف صرف. ومن واقع هذا الاعتقاد، تنشأ منظمة أصغر حجماً تؤدي العمل ذاته.

الثانية: أن الإنسان هو الركن في النظام الذي يقرر ما يستحق العناء، ويلحظ بوعي متى تكون إجابة الآلة خاطئة وإن بدت واثقة، ويحافظ على النسيج العلائقي الذي ينبثق منه العمل، ويطرح السؤال الذي لم يخطر على بال أحد. ومن واقع هذا الاعتقاد، تنشأ منظمة تؤدي عملاً مختلفاً كليًا.

تفضيلات التفويض ليست توقعات حقاً

كلا الإجابتين لم تُدحضهما البيانات، ولهذا السبب بالذات تستمران. تفضيلات التفويض ليست توقعات في حقيقتها؛ إنها علم إنسان «أنثروبولوجيا». إنها نظريات مختزلة حول البشر، يحملها المديرون دون تمحيص غالباً، وتجري ترجمتها اليوم بسرعة هائلة عبر مؤسسات بأكملها.

أجد هذا الواقع مفعماً باليقظة ومبعثاً للأمل في آن معاً. مفعماً باليقظة، لأن أغلب المنظمات تتخذ خياراً فلسفياً عميقاً وهي تظن أنها تتخذ مجرد قرار شرائي. ومبعثاً للأمل، لأن هذا يعني أن المصير ليس مفروضاً علينا من الخارج. لا يوجد قدر حتومي للأتمتة؛ بل ثمة مديرون يحملون نظريات ويختارون بناءً عليها.

وإن صحت هذه المقاربة، فلن يكون أثمن ما يفعله فريق القيادة هذا العام هو إجراء تقييم آخر للأدوات، بل كشف النقاب عن «نظرية الإنسان» التي تترجمها قراراتهم الحالية في التفويض، والتساؤل بجدية عما إذا كان أي شخص في الغرفة يؤمن بها حقًا.

فتلك النظرية تُبنى وتترسخ في كلتا الحالتين، والسؤال الوحيد المتبقي هو: هل صممناها واختبرناها، أم ورثناها عشوائيًا؟

المزيد من الرؤى

هل أنت مستعد لتأسيس منظمة إيراداتك بالذكاء الاصطناعي؟

احجز مكالمة استراتيجية؛ سنحدد أقسام BeyondOS™ الواجب نشرها، وطبقة المساهمة البشرية التي تمنحها قيمتها الحقيقية.

ابْنِ فريق إيراداتك بالذكاء الاصطناعي