رؤى

الذكاء الاصطناعي، الطبقات الإدارية، ومستقبل الهيكل

بقلم Adam G·

كل مخطط تنظيمي هو إجابة عن سؤال يكاد لا يطرحه أحد اليوم: ما هي تكلفة نقل المعرفة؟

قبل خمس وعشرين سنة، قدّم الخبير الاقتصادي لويس جاريكانو أدق تفسير لهياكلنا التنظيمية. تبني المؤسسات طبقات لأن المعرفة مكلفة. لا يمكن لأحد تحمّل تكلفة أن يعرف الجميع كل شيء؛ لذا تتولى الأغلبية التعامل مع الحالات الروتينية، وتُرفع الاستثناءات صعوداً لمن يملك معرفة أعمق. الطبقة ليست مجرد رمز مكاني، بل هي أداة ضغط للخبرات النادرة.

الهيكل التنظيمي كان دوماً تكنولوجيا

هذا يعني أن الهيكل التنظيمي كان -ولا يزال- تكنولوجيا صِرفة، ولكل تكنولوجيا افتراضاتها الخاصة. افترض جاريكانو يوماً أن المعرفة باهظة التكلفة اكتساباً ونقلاً؛ وهو افتراض يتهاوى اليوم بوضوح تام. والأغرب أن الواقع يتجاوز كل الشعارات الرنانة.

خذ مثلاً ما كشفت عنه ورقة عمل لـ NBER في عام 2025؛ فقد أعادت بناء الهياكل الداخلية لأكثر من 2500 شركة أمريكية عامة بالاستناد إلى السير الذاتية لـ 16 مليون موظف. النتيجة؟ الشركات تضم في متوسطها نحو عشر طبقات. وكما تتنبأ النظرية تماماً، راحت الشركات تضيف طبقات إثر صدمات الطلب، والأهم أنها عادت فسطّحتها ما إن تبنت AI. معرفة أرخص، ومحطات توجيه أقل.

في المقابل، وجدت دراسة طولية لشركات إيطالية العكس تماماً؛ فالشركات التي استثمرت في تقنيات المعلومات الناشئة ازدادت عمقاً، بنطاقات سيطرة أضيق، والمزيد من الإدارة الوسطى. وفي السياق ذاته، تتنبأ ورقة عمل حديثة لكلية هارفارد للأعمال بالتسطيح والتضييق والغربلة دفعة واحدة. أما ورقة نمذجة أخرى حول generative AI في اقتصاد المعرفة، فتخلص إلى نتيجة لافتة: كلما تفوّق AI، ربما تضيق النطاقات بالفعل، لأننا سنحتاج لمن يُشرف على مخرجات تبدو مقنعة بغض النظر عما إذا كانت صحيحة أم لا.

إذن: هل يسطّح AI المؤسسات أم يجعلها أكثر كثافة؟ الأبحاث غير متفقة، وأعتقد أن هذا الخلاف بحد ذاته هو النتيجة.

الطبقات لن تختفي

الطبقات لن تختفي؛ إنها تفقد وظيفتها الأصلية فقط وتبحث عن وجهة جديدة.

حين كان توجيه المعرفة جوهر العمل، كانت قيمة المدير تكمن في قربه من الإجابات. كنّا نرفع الأمور إليهم لأنهم «يعلمون». لكن أزل هذه المعادلة، وستجد أي طبقة نفسها أمام خيارين: إما أن تتحول إلى طبقة تحكم تقتصر على الموافقات، والتقارير، والتدقيق اللانهائي في مخرجات الآلة؛ أو أن تتطور إلى شيء لم نصممه بجدية قط: طبقة نتاجها الأساسي هو تفكير الآخرين.

ستنجرف أغلب المؤسسات نحو التحكم، لأنه خيارٌ واضح وقابل للقياس؛ فهو ينتج المستندات ويصمد أمام مراجعات الميزانية. وسيكون هناك عمل حقيقي هناك، إذ لا بد أن يتولى شخص ما مسؤولية الحكم الذي لا يستطيع AI تملكه. ولكن الشركة التي تحول طاقتها الإدارية بأكملها إلى وظيفة ضمان جودة، تكون قد قررت بهدوء أن موظفيها مجرد خطر يجب إدارته، لا طاقة ذكية يجب تجميعها.

البديل ليس أكثر تسطيحاً

البديل ليس أكثر تسطيحاً، بل هو مبنيٌّ على محامل أخرى.

قَدّر هاميل وزانيني يوماً أن البيروقراطية المفرطة تُكلف الاقتصاد الأمريكي أكثر من ثلاثة تريليونات دولار سنوياً؛ أي ما يلامس 17% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن البلاد تحمل طبقة بيروقراطية قوامها نحو 24 مليون شخص — أي مدير أو إداري واحد لكل خمسة عمال. وكانت خلاصتهما واضحة: البيروقراطية ضريبة باهظة تُفرض على طاقات البشر. أما أنا فأرى الصورة من زاوية مختلفة قليلاً: البيروقراطية ليست سوى المآل الأخير لطبقات التنسيق، حين تُحلّ مشكلتها الأساسية… دون أن يكلف أحد عناء إخبارها.

نحن اليوم على عتبة حل النصيب الأكبر من معضلة التنسيق. والسؤال الحقيقي: ماذا سنطلب من تلك الطبقات فعله غداً؟

أراهن أن المدير الأكثر قيمة في مؤسسة تعتمد أصلاً على AI لن يكون أعلمهم ولا أكثرهم تدقيقاً، بل من يُنتج فريقه أفضل الأسئلة. ليس موجهاً للمعرفة، بل مهندساً للظروف.

تلك وظيفة وليدة اللحظة، وخانة خاوية تماماً في كل الهياكل التنظيمية حول العالم اليوم.

المزيد من الرؤى

هل أنت مستعد لتأسيس منظمة إيراداتك بالذكاء الاصطناعي؟

احجز مكالمة استراتيجية؛ سنحدد أقسام BeyondOS™ الواجب نشرها، وطبقة المساهمة البشرية التي تمنحها قيمتها الحقيقية.

ابْنِ فريق إيراداتك بالذكاء الاصطناعي